الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

257

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بمساعدتنا ويبيع لنا الحبوب والمؤن ثم يرد إلينا ما دفعناه ثمنا له ؟ ! ثم أنه رد بضاعتنا علينا بشكل خفي بحيث لا يستثير فينا الخجل - أليس هذا غاية الجود والكرم ؟ ! فيا أبانا ليس هناك مجال للتأخير - ابعث معنا أخانا لكي نسافر ونشتري الطعام ونمير أهلنا وسوف نكون جادين في حفظ أخينا ونحفظ أخانا ، وهكذا نتمكن من أن نشتري كيل بعير من الحبوب ونزداد كيل بعير وإننا على يقين في أن سماحة العزيز وكرمه - سوف يسهلان حصوله وذلك كيل يسير . وفي كل الأحوال - رفض يعقوب إرسال ابنه بنيامين معهم ، ولكنه كان يواجه إصرار أولاده بمنطقهم القوي بحيث اضطر إلى التنازل على مطلبهم ولم ير بدا من القبول ، ولكنه وافق بشرط : قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ، والمقصود من قوله موثقا من الله هو العهد واليمين المتضمن لاسم الله سبحانه وتعالى ، وأما جملة إلا أن يحاط بكم فهي في الواقع بمعنى - إلا إذا أحاطت بكم وغلبتكم الحوادث ، ولعلها إشارة إلى حوادث الموت أو غيرها من الحوادث والمصائب التي تسلب قدرة الإنسان وتقصم ظهره وتجعله عاجزا . وذكر هذا الاستثناء دليل بارز على ذكاء نبي الله يعقوب وفطنته ، فإنه برغم حبه الشديد لولده بنيامين لكنه لم يحمل أولاده بما لا يطيقوا وقال لهم : إنكم مسؤولون عن سلامة ولدي العزيز وأني سوف أطلبه منكم إلا أن تغلبكم الحوادث القاهرة ، فحينئذ لا حرج عليكم . وعلى كل حال فقد وافق اخوة يوسف بدورهم على شرط أبيهم ، وحينما أعطوه العهد والمواثيق المغلظة قال يعقوب : فلما أتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل . * * *